سياسة

لبنان يتعامل مع خطة للجنوب بعد رحيل القوة الأممية

مع اقتراب انتهاء الولاية الأممية في أواخر 2026، يواجه لبنان رؤى متنافسة لترتيبات أمنية في الجنوب وسط تصعيد عسكري مستمر ونزاعات على السيادة.

A UNIFIL patrol vehicle on a road in southern Lebanon

مع اقتراب انتهاء الولاية الأممية في أواخر 2026، يواجه لبنان رؤى متنافسة لترتيبات أمنية في الجنوب وسط تصعيد عسكري مستمر ونزاعات على السيادة.

تحول السؤال الأساسي في جنوب لبنان إلى ما هو أبعد من ما إذا كانت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ستغادر بحلول نهاية 2026 إلى سؤال أكثر جوهرية: أي هيكل عسكري وسياسي سيدير المنطقة حين تدخل واحدة من أكثر مراحل تاريخها الحديث حساسية. يتزامن هذا الغموض مع تصعيد عمليات عسكرية على الأرض وحوارات دبلوماسية متعثرة، مما يضع المنطقة برمتها أمام إعادة هيكلة شاملة للترتيبات الأمنية.

يستعد الوسطاء الدوليون لجولات تفاوضية جديدة في روما برعاية أمريكية مباشرة، بينما تستمر القوات الإسرائيلية في قصف منهجي وهدم وتدمير المنازل والبنية التحتية في القرى والبلدات الحدودية. توسعت العمليات الإسرائيلية أيضاً لاستهداف مناطق أعمق بما فيها ارتفاعات علي الطاهر والمناطق القريبة من مدينة النبطية.

تخدم هذه الضغوط الميدانية الكثيفة كأدوات سياسية وعسكرية صريحة لتحسين مراكز التفاوض، مما أدى إلى وصول المحادثات المباشرة في روما إلى طريق مسدود. تتعثر الاجتماعات المغلقة بسبب خلافات جوهرية حول جدول زمني واضح للانسحابات العسكرية الجديدة وإيقاف التدمير المنهجي وتحديد ولاية وحجم وصلاحيات القوات البديلة لاستبدال قوة الأمم المتحدة.

توفر اتفاقية الإطار الثلاثي الموقعة برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل المرجعية السياسية للانتقال المتوقع. غير أن تطبيقها يواجه اختبارات ميدانية صعبة بسبب اختلافات عميقة في التفسير. تعامل حكومة لبنان مع 'المناطق التجريبية' باعتبارها مرحلة تلقائية تدريجية تؤدي إلى الانسحاب الكامل واستعادة كل الأراضي والسيادة، بينما تسعى إسرائيل لتأسيس 'حزام أمني' فعلياً بحجة التهديدات من الأنفاق والبنى العسكرية السابقة. ترفض بيروت هذا بشكل قاطع، وتعتبر واشنطن أنه يتناقض مع روح الاتفاقية. انتهت الجولة السابعة من محادثات روما بعد ثلاثة أيام دون اتفاق على منطقة تجريبية جديدة.

حدد قرار مجلس الأمن الدولي 2790 الصادر في أغسطس 2025 نهاية ديسمبر 2026 كموعد نهائي لولاية قوة الأمم المتحدة الحالية، مع بدء الانسحاب التدريجي في 2027. كلف القرار الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم خيارات للوجود الدولي المستقبلي، مما يخلق إطاراً مزدوجاً: إنهاء القوة بصيغتها الحالية مع الحفاظ على دور الإشراف والوساطة لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

تبرز ثلاث سيناريوهات رئيسية للفترة التالية للقوة الأممية. ستقلل مهمة أممية مصغرة أعداد القوة بحدة إلى ما بين 1980 و5525 عنصراً، مما يزيل الانتشار التكتيكي الواسع ويقصر دورها على الجوانب التقنية ومراقبة الخط الأزرق وإدارة قنوات الاتصال المباشرة. يتصور السيناريو الثاني انتشار الجيش اللبناني بشكل كامل وسيطرة ميدانية بجانب 'آلية تحقق' تضم ممثلي دول محايدة أو 'تحالف دولي متطوع' مثل إيطاليا وبريطانيا وسويسرا وإندونيسيا، مع اقتصار الأدوار على التحقق والإبلاغ التقنيين دون صلاحيات تنفيذية. يقترح السيناريو الثالث مهمة أمنية وتدريبية مشتقة من الاتحاد الأوروبي مدعومة بدعم إقليمي من خلال آلية السلام الأوروبية، معززة بمبادرة فرنسية إيطالية لتشكيل تحالف متعدد الجنسيات يضم فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، مع قرارات ألمانية حديثة لتمديد المشاركة البحرية قبالة السواحل اللبنانية يشير إلى انخراط أوروبي مباشر.

يتمحور السباق الحقيقي بين القوى الدولية والإقليمية ليس على الدول المشاركة في قوة بديلة بل على نطاق الولاية والصلاحيات. يكمن الجوهر السياسي في التناقض بين رغبات إسرائيلية وأمريكية في آلية بصلاحيات تفتيش واسعة والوصول إلى الممتلكات الخاصة للتحقق من نزع السلاح، والإصرار الراسخ من لبنان على رفض أي انتهاك للسيادة الوطنية، مؤكداً أن السلطة التنفيذية والتطبيق تقع حصراً مع الجيش اللبناني على الأرض.

سافر الرئيس Joseph Aoun إلى إيطاليا في 20 و21 أغسطس 2026، محولاً السيناريوهات النظرية إلى اختبارات ميدانية مباشرة ومترجماً حدة المنافسة لوراثة دور قوة الأمم المتحدة. جمعت الزيارة محطات روحية في الفاتيكان واجتماعات سياسية في روما، مع أبعاد تتجاوز البروتوكول لتصل إلى قلب الملف الأمني الجنوبي.

التقى Aoun في الفاتيكان البابا Francis والكاردينال Pietro Parolin، أمين الدولة، لإطلاع الكرسي الرسولي على مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي والسعي للدعم الأخلاقي والسياسي الذي ينشر كمظلة أخلاقية ودولية لحماية السيادة اللبنانية والترتيبات. ركزت النقاشات في روما مع الرئيس Sergio Mattarella ورئيسة الوزراء Giorgia Meloni على الدور المحتمل لإيطاليا في إطار 'آلية التحقق' في المناطق التجريبية ومصير قوة الأمم المتحدة. أعاد Aoun تأكيد التزام بيروت بتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة كأولوية أولى، مع اقتراح خيار ثان لاستمرار القوات الدولية تحت إطار قانوني واضح بجانب الجيش لمنع فراغ أمني.

قدمت وفود برلمانية عريضة موقعة من 86 نائباً تأييداً لاستمرار مهمة قوة الأمم المتحدة وتعزيز الوجود الدولي، مما يدل على إجماع سياسي يدعم موقف الرئاسة التفاوضي.

تدرك القوى الأوروبية، بقيادة فرنسا وإيطاليا وألمانيا، أن تمكين الجيش اللبناني من ملء أي فراغ يتطلب استراتيجية متكاملة من التمويل والتجهيز. يتابع الاتحاد الأوروبي مساراً متوازياً يتضمن تخصيص حزم تمويلية لشراء مركبات الهندسة والمعدات الثقيلة لإزالة الألغام وإعادة فتح الطرق ومعابر الحدود، وتوفير الوحدات المنتشرة بأنظمة مراقبة ليلية وتجهيزات اتصالات حديثة لضمان السيطرة التقنية الشاملة جنوب نهر الليطاني، وإطلاق برنامج تدريب وتأهيل لمدة ثلاث سنوات لرفع القدرات التكتيكية لقوات الأمن والجيش.

لا يعتمد صياغة ترتيب جديد لجنوب لبنان على الاتفاق النظري على نص اتفاقية الإطار وحده بل على ما إذا كان الهدنة صامدة أمام انتهاكات التصعيد العسكري المتكررة. تؤكد الخطوات الدبلوماسية من بعبدا في روما والفاتيكان أن المعركة على الحدود والترتيبات الأمنية أصبحت محورية للواقع الميداني والدبلوماسي من خلال الاستثمار المتزامن في ثلاث رافعات: النفوذ الأخلاقي للفاتيكان، والدور المحتمل لإيطاليا في التحقق، ودعم بناء القدرات العسكرية من الدول الأوروبية.