توفي الموسيقار البارز أحمد قعبور عن 71 سنة بعد معاناة من السرطان، وكان فنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الفلسطينية.
توفي أحمد قعبور، أحد أبرز الأصوات الموسيقية اللبنانية المميزة، يوم الخميس عن سن 71 سنة بعد معاناة من السرطان. أعلنت صفحته الرسمية على فيسبوك عن الوفاة برسالة من عائلته تسلمه لمشيئة الله. وأفادت الصفحة بأن جثمانه سيتم نقله من مستشفى المقاصد في شارع طرابلس للصلاة عليه يوم الجمعة 27 آذار 2026 في جامع الخاشقجي قبل دفنه في مقبرة الشهداء.
وُلد قعبور في بيروت سنة 1955 في أسرة موسيقية. كان والده محمود الراشدي أول عازف كمان في لبنان، فيما كانت والدته فاطمة أمية لكنها غرست في أبنائها قيم التعليم والانتماء. كان منزل العائلة ملتقى لتسعة أطفال، من بينهم ثلاثة أبناء أعمام أيتام، جميعهم تربوا بما يصفه الأقارب برعاية واهتمام متساويين.
امتص قعبور الموسيقى منذ الطفولة لا كتعليم رسمي بل كتجربة معاشة. نشأ وسط أصوات كمان والده وحكمة والدته اليومية حول التعليم كوسيلة للحماية والتيارات السياسية والاجتماعية التي جرت عبر أحياء بيروت في الخمسينات والستينات. في سن العاشرة طلب من والده أن يأخذه إلى الحفلات الموسيقية التي يعزف فيها خلف الفنانين فريد الأطرش وشادية.
جاء تعليمه الموسيقي الرسمي على يد سليم فليفل، الشخصية البارزة في التاريخ الموسيقي اللبناني وخاصة في الأناشيد الوطنية والغناء الجماعي. علمه فليفل أن الاستماع يسبق الغناء وأن الصوت يحمل معنى وموقفاً يتجاوز المهارة التقنية. تحت هذا التوجيه، تعلم قعبور أن يسمع الموسيقى كلغة قادرة على التعبير عن حياة وكفاح الناس العاديين، رابطة التجربة الفردية بالذاكرة الجماعية.
في أواخر سنوات المراهقة، بدأ قعبور بالتأليف والأداء. سنة 1975، في سن 19 سنة، ألف وسجل أغنية أناديكم التي ستعرّف المرحلة الأولى من مسيرته. احتوت الألبومة المصدرة تلك السنة على تأليفات مثل ارفعوا البيارق ويا نبض الدفاع. ارتبط هذا الموسيقى ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الفلسطينية والمقاومة.
توسع إنتاج قعبور عبر أنواع موسيقية متعددة. ألف وأدى عدداً من الأغاني منها خللينا ما معاً وصوتنا علي وبدها أغني للناس ولما تغيبي. صوته الموسيقي، كما وصفه معاصروه، حمل ذاكرة بيت طفولته. رائحة القهوة الصباحية والمرتبة التي صنعتها والدته وقصص جده عن رعي الأغنام في بيروت وكمان والده.
بعيداً عن الموسيقى، عمل قعبور في المسرح والسينما. مثّل في الأفلام ندم ونجي علي، درام سيرة ذاتية. ظهر في مسلسلات تاريخية وأخرى درامية منها البحث عن صلاح الدين وأبو الطيب المتنبي والنار بالنار. امتدت هذه الأدوار بوصالته الفنية عبر وسائط متعددة.
عكس مسار عمل قعبور قناعة بأن الفن لم يكن زينة بل أداة، إناء للمعنى الإنساني والكفاح الجماعي. الشاعر محمود درويش، عند اطلاعه على موسيقاه، اعتقد على ما يُروى أن قعبور فلسطيني الأصل، لدرجة أن هويته الفنية امتزجت بالتجربة والذاكرة الفلسطينية. تجاوزت أغانيه وأدائه الأداء ليصبحا أفعال شهادة وتقريراً.
تُغلق وفاة قعبور فصلاً في الحياة الثقافية اللبنانية ربط بين الشخصي والسياسي وبين المحلي والوطني. يترك خلفه مجموعة أعمال نشأت من لحظة محددة في تاريخ بيروت، حين فُهمت الموسيقى على أنها غير منفصلة عن الضمير الاجتماعي. إرثه يستند في التسجيلات والأفلام والعروض، وكذلك في الفهم الذي جسده أن الفن يمكن أن يكون متسقاً جمالياً وملتزماً اجتماعياً، يتحدث إلى الكفاح اليومي وأحلام الناس العاديين.
