سياسة

زعيم حزب الله يستشهد بمفكر إسرائيلي وهمي لمهاجمة الحكومة اللبنانية

نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، نسب تقييماً حرجاً لوفد التفاوض اللبناني إلى مفكر إسرائيلي يدعى موشيه يائير في خطاب أخير، لكن الصحفيين والمعلقين لم يجدوا أي دليل على وجود الشخص أو المقالة.

The Grand Serail in Beirut, seat of the prime minister

نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، نسب تقييماً حرجاً لوفد التفاوض اللبناني إلى مفكر إسرائيلي يدعى موشيه يائير في خطاب أخير، لكن الصحفيين والمعلقين لم يجدوا أي دليل على وجود الشخص أو المقالة.

في خطاب ألقاه هذا الأسبوع، استشهد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بما قال إنه مقالة لمفكر إسرائيلي يدعى موشيه يائير نُشرت في يديعوت أحرونوت لدعم نقده الحكومة اللبنانية ومسارها التفاوضي مع إسرائيل. قال قاسم إن المقالة، التي نسبها إلى يائير، وصفت الوفد اللبناني بأنه يحب إسرائيل وأميركا أكثر من حب بلده، واعتبرت السياسيين اللبنانيين الذين يسعون لإنهاء الأنشطة المقاومة أغبياء لمساعدتهم إسرائيل على احتلال بلادهم. بدت الاستشهادات موضوعة لإضفاء مصداقية خارجية على معارضة حزب الله لاتفاق الإطار والتفاوضات ذاتها.

وجد الكتاب والمعلقون اللبنانيون الذين حققوا في ادعاء قاسم أنه لا يوجد مفكر إسرائيلي بهذا الاسم ولا مقالة في يديعوت أحرونوت تطابق وصفه. عندما تم الاتصال بالصحيفة، نشرت الصحفية سمادار بيري مقالة بعنوان "قاسم يختفي"، تفيد بعدم العثور على أي مفكر إسرائيلي معروف بهذا الاسم وعدم نشر أي مقالة من هذا القبيل في المنصة، مما جعل استشهاد قاسم غير قابل للتحقق.

تتبع المحققون النص الذي استشهد به قاسم إلى موقع لبناني يسمى الحقائق، الذي يتوافق مع الرويات المقاومة. ظهرت المقالة هناك باسم موشيه مايير في 10 يونيو 2026، تتضمن عبارات شبه متطابقة مع ما قرأه قاسم. بيد أن تناقضاً حرجاً ظهر: ادعى قاسم أن المقالة كُتبت بعد اتفاق الإطار والجولة الثانية من التفاوضات، لكن نسخة الموقع نُشرت قبل التوقيع على الاتفاق بستة عشر يوماً.

كشفت تحقيقات سابقة لشبكة أريج عام 2025 عن حساب وسائط اجتماعية مزيف يُستخدم على نطاق واسع وتناوب عبر عدة أسماء منها يائير موشيه وموشيه يائير وموشيه غرادي. وإن لم يمكن ربط هذا الحساب بشكل قاطع بالنص الذي وصل إلى قاسم، فقد كشفت التحقيقات كيف أصبحت الأسماء الإسرائيلية الكاذبة، من خلال إعادة النشر المتسرعة، مصادر يستشهد بها وسائل إعلام. والآن يبدو أن النمط ذاته وصل إلى أعلى مستويات قيادة حزب الله في لحظة حرجة ومعقدة.

مع توسع النقاش والسخرية من ادعاء قاسم، لم يصدر هو ولا حزب الله أي تصحيح أو توضيح علني. يبدو الحادث على السطح محرجاً إعلامياً يستدعي السخرية، لكنه يحمل دلالة أعمق من مجرد زلة واقعية من ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي.

قاسم ليس معلقاً عادياً بل هو الأمين العام لمنظمة مسلحة خاضت حروباً مع إسرائيل وألحقت دماراً غير مسبوق بجنوب لبنان وبالسكان الشيعة في البلاد. وهو يعارض حالياً الجهود الرامية إلى تركيز الأسلحة حصراً في أيدي الدولة اللبنانية ويهاجم عملية تفاوضية لها تداعيات مباشرة على بقاء لبنان وسط التهديدات الإسرائيلية المستمرة. استحضاره شاهداً إسرائيلياً لتقوية مصداقية موقفه، ثم تبين أن هذا الشاهد والمقالة من نسج الخيال، يثير تساؤلات عن الأساس الذي يستند عليه حزب الله لادعاءاته الاستراتيجية.

المسألة الأعمق ليست الشخصية الخيالية موشيه يائير بل ما يحدث عندما تصبح الرواية والوهم أقوى من الحقائق. بنى حزب الله الكثير من شرعية خياراته على مدى سنوات على رواية تؤكد معرفة متفوقة بإسرائيل مقارنة بخصوميه اللبنانيين والدولة نفسها، وفهماً أعمق لنوايا إسرائيل وموازين القوة الإقليمية، وبالتالي الحق الصحيح في تحديد التقييمات الأمنية والعسكرية كنقاط مرجعية لما يخدم لبنان.

انهيار تزييف موشيه يائير لا يلغي تلقائياً جميع تقييمات حزب الله، لكنه يقدم مثالاً صارخاً على خطر معاكس: قبول معلومات تؤكد القناعة السابقة لأنها تناسب الرواية المفضلة، وليس لأنها صحيحة. في الخطاب ذاته، لم يكن قاسم يناقش خبراً سريعاً بل كان يهاجم اتفاق الإطار، ويخبر المواطنين اللبنانيين بأن سبع جولات تفاوضية لم تحقق شيئاً، وفي الواقع يطرح استفهاماً حول المسار الذي اختارته الدولة لإيقاف الحرب واستعادة الأراضي.

إلى جانب خطاب قاسم، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أنه يبقى على اتصال مباشر مع مقاتلي حزب الله على خطوط القتال في جنوب لبنان ويعرفهم بشكل فردي. وبهذا تصبح قصة المفكر الخيالي نقطة دخول إلى سؤال أكبر من فضيحة صحفية: على أي حقائق تُتخذ اليوم قرارات قد تأخذ لبنان للعودة إلى الحرب؟ الواقع الجغرافي المحيط بلبنان في الأيام الأخيرة يحمل مجموعة متناسقة من المؤشرات الخطرة. قيادة حزب الله تصعد خطابها ضد الدولة والتفاوضات. مسؤول إيراني رفيع، قاليباف، أعلن اتصالاً مباشراً مع المقاتلين على الجبهة الجنوبية اللبنانية. إسرائيل توسع غاراتها وتربط استخدام القوة بشروط تفاوضية محسّنة. والمحادثات المفروض أن تمنع الحرب تبدو حتى الآن عاجزة عن إحقاق الانسحاب الإسرائيلي أو حل مسألة أسلحة حزب الله.

في ضوء هذا السياق، قد تكون قصة موشيه يائير مجرد تفصيل صغير في مشهد أكثر جسامة. يواجه لبنان قرارات وجودية حول الحرب والسلام بينما تتصادم روايات متناقضة حوله، بعضها لا يستطيع حتى الصمود أمام اختبارات حقيقية بسيطة. المفكر الإسرائيلي المختلق الذي استحضره قاسم يمثل الوهم الذي يبيعه حزب الله. والحقيقة الثابتة هي أن قاليباف يقود الحرب مع إسرائيل على الأراضي اللبنانية.