مجتمع

خمسة قتلى في إطلاق نار بطرابلس على خلفية نزاعات تافهة

سلسلة من عمليات إطلاق النار القاتلة في طرابلس أودت بحياة خمسة أشخاص في حوادث منفصلة، كل منها نجم عن خلافات بسيطة تصعدت إلى إطلاق رصاص في مدينة تتدهور فيها الأوضاع الأمنية.

Balpro suojaseinä käytössä UN operaatiossa Libanonissa

سلسلة من عمليات إطلاق النار القاتلة في طرابلس أودت بحياة خمسة أشخاص في حوادث منفصلة، كل منها نجم عن خلافات بسيطة تصعدت إلى إطلاق رصاص في مدينة تتدهور فيها الأوضاع الأمنية.

أصبحت طرابلس مدينة يأتي الموت فيها بسهولة، مختزلاً في ثلاث عبارات متكررة: إطلاق نار عرضي، إطلاق نار عشوائي، الفاعلون فروا إلى مكان مجهول. في السنوات الأخيرة انحدرت المدينة إلى فوضى بحيث يستطيع الرجل أن يقتل رجلاً آخر أو طفلاً أو عاملاً لا يعرفه فقط لأن مزاجه سيء أو لأسباب تدفعه إلى إطلاق النار على الغرباء ثم الاختفاء في شوارع المدينة الخاضعة لا سيطرة. خمس حالات قتل من هذا القبيل طبعت هذا الانحدار.

توفي شادي بسبب خلاف على الدجاج المشوي. أخذه والده يوسف إلى محل يبيع الطير المشوي بالقرب من آذان المؤذن. كانا يشتريان الدجاج حين وضع صاحب المحل صناديق بيض من الكرتون على الأرض بينهما. انحنى يوسف ليسأل ابنه إن كان يريد صندوقاً. قطع إطلاق النار كلماته. أطلق رجل الرصاص من مسدس عسكري على المحل بعد إصراره على نصف دجاجة مشوية رغم قول صاحب المحل إن المخزون نفد. استقرت الرصاصة في جمجمة شادي. أُطلق الرصاص على شاب آخر معروّف باسم م.ت. في يده. كان شادي يعمل في كشك الفلافل التابع لوالده في شارع المطار منذ أن كان في الخمس سنوات. وفي الحادية عشرة من العمر كان يستطيع إدارة جميع الطلبات وحده. قال والده إن الشارع كله يحبه. لم يكن مجرد ابني بل هو أخي وصديقي وأبي. بعد دقيقتين من وصولهما إلى محل الدجاج المشوي، كان ميتاً.

صباح إطلاق النار، شعر يوسف أن شيئاً ما خاطئ وقال لشادي ألا يأتي إلى السوق. لكن حوالي الساعة الرابعة مساءً، اتصل شادي مراراً. استسلم والده وسمح له بالذهاب. مشيا معاً لآخر مرة عبر أسواق طرابلس. كانت فتاة تقف بجانب ابنه في المحل. لو لم تصب الرصاصة طفلي لكانت قتلتها، قال يوسف. ما ذنبها؟ ما ذنب ابني؟ لماذا سُلبتُ أنا وزوجتي وأخواته منه؟

كان أحمد المسول يبلغ من العمر إحدى عشرة سنة حين لعنه شخص مجهول رجل يدعى أحمد حسن الماسري. أغضبه الإهانة. عزم على قتل من أهانه لكنه لم يتمكن من إيجاده. بينما تتزايد غضبه، أطلق الرصاص على أحمد المسول وأبناء عمومته دون معرفة مسبقة بأي منهم. كان عيسى المسول، ابن عم أحمد، حاضراً حين بدأ إطلاق النار. كنا نقرر أي مطعم نذهب إليه، قال. فجأة كان هناك إطلاق نار كثيف. اقتربت الأصوات. وقفنا ولم نعرف أين نذهب. اقتربت دراجة نارية بها رجلان. لم يكن الرجل الذي يملك السلاح ينظر إلينا. كان ينظر إلى الشارع الآخر. ثم رآنا. لوى سلاحه نحونا وأطلق النار.

بينما كان عيسى يركض نحو السوق طلباً للمساعدة، نظر إليه أحمد وقال، وجهك مغطى بالدم، وأحشائي تؤلمني بشدة جداً. أُطلق الرصاص على عيسى عدة مرات: استقرت رصاصة واحدة في عنقه دون أن تنفجر، انفجرت أخرى بجانبها تاركة شظايا في وجهه وعنقه. انفجرت ثالثة بالقرب من جانبه. استقرت رصاصتان في قدمه اليسرى وثلاث في اليمنى، واحدة منها خترقت العظم. قضى ثلاثة أيام في المستشفى. لم ينجُ أحمد.

علمت أم أحمد، هدى حمود، بموت ابنها من فيسبوك. نشرت جهة إعلامية صورته وكتبت أنه مات من رصاصة عسكرية. سألت هدى السؤال الذي سأله يوسف أيضاً: ما ذنب ابني ليموت دون وداع؟ كان والده يخدم الوطن في الخدمة العسكرية. ابنه كان ميتاً على الأرض في وطن تجري فيه الأسلحة بحرية. ما يعذبني أكثر هو كم عانى طفلي عندما انفجرت الرصاصة في معدته. كم كان غاضباً لأنه لم يستطع أن يقول وداعاً لي وللده وإخوته. لماذا أصبح ابني لا شيء سوى صورة على جدار في طرابلس، تحترق مع المدينة ودمها؟ كان أحمد يحب فريق الشقورة الكروي لأن لاعبيهم لديهم شعر أشقر وكانوا وسيمين، قالت والدته. كان رياضياً يلعب كرة القدم والملاكمة ويفوز بالبطولات في كلا الرياضتين. كان طالباً في المدرسة الثانوية يحلم بالتخرج بعلامات عالية حتى يتمكن من الالتحاق بأكاديمية عسكرية ويصبح ضابطاً في الجيش. الآن لن يحدث.

باع أبو العبد كعك الجبن في كشك في السوق الذهبي لمدة ثلاثين سنة، دائماً في نفس المكان، معروفاً ومحبوباً في الحي. كان دخله الوحيد يطعم والدته ويوفر عيشته. أثناء اشتباك بين مسلحين، أصابته رصاصة ضالة في الرأس. سمع ابنه عبد الستار إطلاق نار كثيفاً وركض إلى شرفته. كان والده ملقى على الأرض. كنت أنا من حمله إلى سيارتي وسرعت إلى المستشفى، قال عبد الستار. ذهبت مباشرة إلى مستشفى هيكل. مع الفجر، اختاره الله. إلى يومنا هذا لا أستطيع قبول موت والدي. قتلوه وهو يقف يبيع عند كشكه، أسفل منزله مباشرة.

تصعد خلاف داخل مقهى بالقرب من هوز مول في ظهر العين إلى إطلاق نار. رجل يدعى خالد المحمد كان قد استأجر المقهى وكان يديره. بعد نزاعات سابقة، حضر مع ثلاثة أصدقاء وبدأوا بتحطيم المكان بالكامل. ركب أبو ليلة، الذي كان يعمل حارساً في هوز مول، دراجته النارية واتجه نحو المقهى. التقاه رجلان على دراجة نارية في منتصف الشارع. أطلق أحدهما الرصاص مباشرة على أبو ليلة. توفي تاركاً ثلاثة أطفال، الأكبر منهم الآن في الثامنة من عمره. قال أخوه: كانت هذه وظيفته الوحيدة. كان يعمل لسد احتياجات أسرته. أطفاله يحتاجون إليه. كيف نشرح لهم؟

لم تتوقع الأسرة الخبر. غياب أبو ليلة كسرهم. طرق شخص الباب في الثانية صباحاً وقال أخيك أطلقوا عليه الرصاص في المعدة. ذهبت مباشرة إلى مستشفى هيكل. مع الفجر، اختاره الله. لكن إلى يومنا هذا لا أستطيع قبول موت أخي. القاتل يقول أنه أراد فقط أن يخيفه. لكنه لم يخيفه. قتله. قتله.

أطلق عياد رعد الرصاص عشوائياً على مقهى في التل بالقرب من البلدية على خلفية نزاع سابق مع أحد أصحاب المحل. أصابت إحدى الرصاصات قدم عامل. ركب رعد دراجته النارية وسار خمسة وعشرين متراً بعيداً ثم عاد بسلاحه مرفوعاً في الشارع حيث كان يسير عبد الرحمن العمر. وفقاً للأسرة، كان العمر مع زوجته وابنتهما البالغة من العمر عشرة أشهر. قال أخوه: كان أخي ذاهباً إلى السوق لشراء حليب الأطفال لابنته. كانت والدتي تحضر الطعام لكي نأكل الغداء معاً. مشت الأسرة ثلاثة محلات قبل أن يبدأ إطلاق النار.

لا تحمل هذه الوفيات أي نتيجة سياسية ولا تنتج أي مشتبه به معروف يمثل أمام العدالة. تصل إلى طرابلس كمأساة روتينية، كل ضحية مضغوطة في نفس الصيغ الثلاث السابقة لكل قتل في المدينة: حادث، إطلاق نار عشوائي، فاعلون مجهولون. أن شادي كان يبلغ الحادية عشرة، أن أحمد كان يحلم بالأكاديمية العسكرية، أن أبا العبد كان يعمل في نفس الكشك لمدة ثلاثين سنة، أن أبا ليلة ترك ثلاثة أطفال وزوجة، أن عبد الرحمن كان يشتري حليباً لرضيعة، هذه التفاصيل تختفي في حسابات انهيار طرابلس. الجهاز الأمني لا يقدم تحقيقاً ولا يرتب عليه أي تبعات. يستمر النمط لأن لا شيء يوقفه.