رئيس مجلس النواب نبيه بري انقسم مع حليفه الشيعي حزب الله حول أسلحة الحزب واستراتيجيته العسكرية، داعماً احتكار الدولة للأسلحة مع إبقائه خطوط التواصل مفتوحة.
دخلت العلاقة بين نبيه بري وحزب الله مرحلة جديدة من الانقسام الظاهر منذ 2 مارس من العام الماضي، عندما أطلق الحزب جولة ثانية من العمليات العسكرية. طالما تمكن الطرفان من إدارة خلافاتهما ضمن حدود تمنع تحولها إلى صراع مميت، لكن انقسامهما الحالي يشكل انحرافاً حاداً عن عقود من التنسيق في مسائل الأسلحة والمقاومة.
أعاد بري، الذي قضى عقوداً شريكاً في إضفاء الشرعية على أسلحة حزب الله، موقعه استجابة لما يعتبره حرباً مدمرة فرضت على السكان الجنوبيين الذين يمثلهم. جلبت الحرب تكاليف ثقيلة للمجتمع الشيعي، منها تدمير الجنوب وتهجير سكانه واحتلال أكثر من 60 قرية والهجمات الإسرائيلية المستمرة بدون تأثير رادع. فرضت هذه الحقائق عليه إعادة حساب المعادلة التي طالما ربطته بالحزب.
اتخذ رئيس مجلس النواب موقفاً مختلفاً علناً بشأن الأسلحة. يوفر غطاءً سياسياً لقرارات رئيس الوزراء نواف سلام التي تكرس احتكار الدولة للأسلحة، قرارات يرفضها الحزب لافتقارها إلى الشرعية السياسية وللاستهداف المباشر لترسانته. يرى بري أن استمرار الترتيب السابق يهدد ما تبقى من قدرات الدولة وقدرة المجتمع الشيعي على استيعاب تكاليف الحرب.
عبّر بري عن مسافة بينه وبين الحزب في قضايا متعددة. رفض خيارات الإطاحة بالحكومة عبر الاستقالات الجماعية أو شل مجلس الوزراء، معتبراً مثل هذه الخطوات ضارة بالمجتمع الشيعي فوق كل شيء. أما الحزب فأبقى الضغط على الحكومة كأداة مساومة كلما ظهرت قرارات تتعلق بالأسلحة. اتخذ بري أيضاً نهجاً براغماتياً أكثر في التعامل المباشر مع إسرائيل، معتبراً المفاوضات مقبولة إذا استعادت أراضي لبنانية أو أمنت حقوقاً لبنانية، مع الحفاظ على معارضة علنية للمحادثات، موقف يفسره معارضو الحزب على أنه استعداد للتفاوض.
سعى بري أيضاً إلى تعميق الروابط مع السعودية كوسيلة لاستعادة توازن لبنان ضمن العالم العربي ومكانته الدبلوماسية. يبقى حزب الله أكثر حذراً، مقيداً بحساباته الإقليمية وتحالفه الاستراتيجي مع إيران. تمتد هذه الانقسامات عبر علاقة الحكومة بالفاعلين الغربيين والعرب معاً، حيث يرى بري مجالاً للمشاركة بينما يبقى الحزب مقيداً.
لم يتحول الطرفان إلى أعداء. كلاهما يرفض الكشف العلني عن خلافه أو فضح النقاشات الخافتة بينهما. ما لن يقولاه علناً تكشفه تحركاتهما، بري تمرد على ما يراه حرباً بلا معنى تخدم مصالح إيران فحسب، وحزب الله يعترض على حمايته للمعسكر المنافس ودعمه لحكومة تركز على نزع سلاحه.
القيد الأكثر أهمية على انقسام كامل هو فهمهما المشترك بأن الصراع الشيعي الداخلي سيكون مكلفاً بما يتجاوز الإدارة. يدرك الطرفان أن تحويل اختلاف سياسي إلى صراع فئوي داخل المجتمع يعادل انتحاراً سياسياً وأمنياً. يبقى الحفاظ على الوحدة الشيعية ومنع الصراع الداخلي من الانسكاب إلى الشارع خطاً أحمر لبري. لذا فإن الانقسام لا يعني نهاية التحالف ولا بالضرورة انهيار ترتيبهما.
تحكم العلاقة ما يمكن تسميته بإدارة صامتة للاختلاف. الاختلاف مسموح به، الانقسام ممكن، لكن الانقطاع الكامل يبقى محظوراً. ينتظر الطرفان التطورات الإقليمية لتوضيح الصورة، لا سيما مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، قبل مواجهة اختبار أصعب لقدرتهما على التعايش وهما يسيران في اتجاهات متعاكسة.
