سياسة

مجلس النواب يقر قانون عفو عام وسط نزاعات طائفية حادة حول بنوده

وافق مجلس النواب اللبناني على قانون عفو عام طال انتظاره يرضي مطالب طائفية متنافسة لكنه يترك ثغرات كبيرة في التطبيق ولا يعالج أسباب اكتظاظ السجون.

The Lebanese Parliament building in downtown Beirut

وافق مجلس النواب اللبناني على قانون عفو عام طال انتظاره يرضي مطالب طائفية متنافسة لكنه يترك ثغرات كبيرة في التطبيق ولا يعالج أسباب اكتظاظ السجون.

أقر مجلس النواب قانون عفو عام صُمم للتخفيف من اكتظاظ السجون الحاد، لكنه كشف انقسامات طائفية عميقة وغموضاً إجرائياً قد ينقل النزاعات من السلطة التشريعية إلى المحاكم والأجهزة الأمنية. يمثل القانون أحدث مثال على لجوء لبنان إلى العفو لتسوية الخلافات السياسية بدلاً من مواجهة الأسباب الجذرية للسجن، وفقاً لمحللين قانونيين يشككون في قدرته على تحقيق الهدف المعلن وهو المصالحة الوطنية.

كان المبرر الأساسي للعفو هو أزمة اكتظاظ السجون. تعمل السجون بما يقارب 350 بالمائة من طاقتها، والمحتجزون بانتظار المحاكمة يشكلون نحو 83 بالمائة من إجمالي السكان السجناء. لكن المحامي محمد سبلح يؤكد أن تخفيف الاكتظاظ لا يمكن أن يكون كافياً بمفرده، لأن السجون ستمتلئ من جديد إذا استمرت الأسباب الكامنة. وهو يؤكد على ضرورة توقف الأجهزة الأمنية الداخلية عن الاعتقال التعسفي، وإصلاح البنية التحتية للسجون، وتحديث المحاكم.

كما يؤكد سبلح أن قانون العفو لم يحقق مصالحة وطنية حقيقية لأن الصراع السياسي الكامن لا يزال دون حل. الحلول الحقيقية تتطلب إنهاء الاحتجاز السابق للمحاكمة المفرط، وتسريع المحاكمات، وإنشاء برامج إعادة تأهيل، وتعزيز استقلال القضاء. بدون هذه التدابير، يقول، سيكون القانون تخفيفاً مؤقتاً وليس تغييراً دائماً.

أثار القانون جدلاً طائفياً شديداً حتى قبل إقراره. اعترضت حزب الله على العفو عن الفارين إلى إسرائيل والسماح بعودتهم. رفضت الحركة الوطنية الحرة إدراج من تسميهم "إسلاميين" في العفو، محتجة بأن هذا يسيء إلى ذاكرة الجنود القتلى من الجيش اللبناني وأسرهم. أصر شخصيات سياسية سنية على أن القانون لا يمكن أن يكون موثوقاً ما لم يشمل الشيخ أحمد الأسير، المدان بتوجيه معارك عبرا عام 2013 في صيدا ضد الجيش اللبناني.

أكثر البنود إثارة للجدل يتعلق باللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل. غادر هؤلاء جنوب لبنان إلى إسرائيل وأحضروا أسرهم معهم في أعقاب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000. معظمهم انضموا إلى جيش لبنان الجنوبي، وهي ميليشيا تشكلت بدعم إسرائيلي من سكان القرى الجنوبية والوحدات التي انفصلت عن الجيش اللبناني عام 1976. منعوا من العودة منذ ذلك الوقت، خاصة أولئك الذين يحملون جوازات سفر إسرائيلية. كانت حزب القوات اللبنانية الداعي الرئيسي للعفو عنهم.

يستثني العفو أولئك الذين "شاركوا في جرائم الخيانة والتجسس والعلاقات غير المشروعة مع العدو"، خاصة أولئك الذين انضموا إلى جيش لبنان الجنوبي وشاركوا في القتال والعمليات العسكرية، وفقاً للمحامية ليال صقر. لكن القانون يشمل اللبنانيين المولودين في إسرائيل بعد نزوح عائلاتهم هناك عام 2000، الذين نشأوا هناك وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية، بشرط عدم مشاركتهم في أي أعمال عدائية ضد لبنان أو الدولة اللبنانية.

تحيط غموضات كبيرة هذا البند. تحدد صقر عدة أسئلة لم تُحل بعد: كيف ستحدد السلطات من شارك في أعمال عدائية، وماذا بشأن أولئك الذين خدموا لاحقاً في الجيش الإسرائيلي، وأي جهة لها سلطة التحقيق في هذه القضايا، وكيف يتم التعامل مع حاملي الجنسية الإسرائيلية، وهل التنازل عن الجنسية الإسرائيلية شرط مسبق للعودة إلى لبنان. هذه الفجوات تنطوي على مخاطر نقل النزاعات من البرلمان إلى المحاكم والأجهزة الأمنية، حيث قد تصبح التفسيرات والإجراءات ذاتها محل نزاع.

علق بعض اللبنانيين الموجودين حالياً في إسرائيل على القانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر أصوات منهم عن رفضه وإحجامهم عن العودة، قائلين إنهم يفتقرون إلى الثقة بأن لبنان يوفر حماية كافية أو مكاناً مناسباً للاستقرار. لا يحل البند بالتالي الغموضات القانونية ولا التحفظات العملية لأولئك الذين يُفترض أنه يعالجها.

فئة رئيسية ثانية يشملها العفو تتكون من أولئك الذين يسميهم القانون "معتقلي إسلاميين"، في الغالب لبنانيين سنة إلى جانب سوريين وفلسطينيين متهمين أو محكومين في قضايا متعلقة بالأمن أو المواجهات مع الجيش اللبناني، أو موجهة ضدهم تهم الانتماء إلى منظمات مسلحة مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة. نشأ هذا الملف في أوائل 2000 بأحداث الدنية وتوسع من خلال سلسلة من الحوادث الأمنية، وأبرزها معارك نهر البارد وأحداث عبرا عام 2013 في صيدا والاشتباكات في أطراف عرسال. طالبت القوى السياسية السنية بهذا الإجراء منذ فترة طويلة.

اجتمعت عائلات هؤلاء المعتقلين بشكل دوري خارج سجن روميه وفي الساحات العامة، وأحياناً أغلقت الطرق احتجاجاً على استمرار احتجاز أقاربهم بدون محاكمة. استخدم النواب السنيون هذا الملف مراراً كأداة قبل الانتخابات البرلمانية، وعادت القضية إلى الواجهة عندما نقلت الحكومة عدة أسرى سوريين إلى سوريا لإكمال عقوبتهم أو الإفراج عنهم. زادت الضغوط لإدراج هذه الفئة في العفو العام، لكن مع استثناءات كبيرة، وأبرزها قضية أحمد الأسير.

ستشهد المرحلة الأولى من التنفيذ الإفراج عن 57 سجيناً من أصل حوالي 150 الذين يقعون في هذه الفئة، مع الإفراج عن آخرين تدريجياً وفقاً لعقوباتهم. يتوقع الإفراج الفوري عن أولئك الذين أكملوا عقوباتهم الكاملة أو قضوا الجزء الأكبر منها، بما فيهم معتقلون من قضية فتح الإسلام، لبنانيون وفلسطينيون. لا تعتبر كلمة "معتقلو إسلاميين" تصنيفاً قانونياً؛ يتم تحديد أهلية العفو ليس من خلال الانتماء الديني أو التعيين السياسي بل بالجرائم المحددة الموجهة لكل شخص، وهو تمييز أكدته صقر.

لا يمتد قانون العفو إلى عفو كامل لأولئك الذين تتضمن ملفاتهم اتهامات أو إدانات تتعلق بجرائم إرهابية ارتكبت ضد المدنيين أو العسكريين أو أفراد قوات الأمن. حفظ هذا الاستثناء أحمد الأسير في السجن رغم الدعوات من شخصيات سنية لإدراجه. يدل استمرار هذه الاستثناءات على أن القانون أصبح أداة لموازنة المطالب الطائفية المتنافسة بدلاً من أن يكون صكاً قانونياً متماسكاً.

هذا ليس أول عفو عام يقره لبنان. الأول جاء عام 1991 وشمل جرائم حرب من الحرب الأهلية، بادئاً نمطاً أصبح منذ ذلك الحين مؤسساً. استبدلت المحاكمات والاعتراف والعدالة بقوانين عفو دفنت قضايا لا يمكن حلها. تلت قوانين 677 و678 في تموز 2005، تتعلقان بسمير جعجع والمعتقلين من الدنية وقضاء عين. صدر عفو شامل متعلق بالمخدرات عام 1997. أدان مدافعون عن حقوق الإنسان بثبات هذا التكرار، محتجين بأنه يفضل التسويات الطائفية على العدالة.

يتوقف مصير قانون العفو الآن على التنفيذ من قبل الأجهزة الأمنية والمحاكم التي تفسر بنوده الغامضة. تنطوي الفجوات التي حددها المحللون القانونيون على مخاطر إعادة إنتاج في الواقع الصراعات ذاتها التي حاول البرلمان حلها من خلال التشريع. ما إذا كان القانون يحقق حتى هدفه المتواضع وهو التخفيف المؤقت من الاكتظاظ، ناهيك عن المصالحة الوطنية الحقيقية، سيعتمد على كيفية تطبيق تلك الأجهزة لبنود ترك البرلمان غامضة عن قصد لتأمين الموافقة.